الهند · 23 يناير 2026 · 4 دقائق
Photo courtesy of Mohammed Nasrullah
بمناسبة اليوم العالمي للتعليم، نتعرّف على محمد نصر الله، خريج مدرسة اليوبيل الماسي الثانوية في حيدر آباد، الذي جعل من التزامه بالتعلّم حجر الأساس لمسيرة مهنية امتدت 40 عامًا، أسهم خلالها في برامج رحلات الفضاء البشرية التابعة لوكالة ناسا (NASA) وتطوير أنظمة لدعم روّاد الفضاء في الفضاء الخارجي.
ومنذ تقاعده في عام 2017، كرّس محمد وقته للعمل التطوعي في مبادرات تشمل حقوق الإنسان، والحقوق المدنية، وحماية البيئة، والمشاركة المجتمعية. ويؤكد أن القواعد الهندسية والقيم التي توجه عمله الخدمي اليوم قد تبلورت داخل الفصول الدراسية في مدرسة اليوبيل الماسي في حيدر آباد بالهند، حيث درس هناك بين عامي 1958 و1965.
يستعيد محمد ذكريات الحماس الذي رافق إطلاق القمر الصناعي "سبوتنيك" وكيف أن سماع الخبر عبر الراديو أشعل شغفه بالعالم الممتدّ خارج حدود حيدر آباد.
ويقول محمد: "أخبرني والداي أنه إذا أردتُ العمل في مجال الفضاء، فعليّ أن أتفوّق في الرياضيات والفيزياء والكيمياء".
وبوضع هذه النصيحة نصب عينيه، طوّر عادات دراسية صارمة؛ إذ يضيف: "كنتُ أحلّ جميع المسائل في الكتاب المدرسي، ليس فقط تلك المطلوبة منا، بل كل تمرين يرد فيه".
اتسمت الحياة المدرسية بالانضباط والصرامة؛ فالدراسة تمتد طوال أيام الأسبوع، مع نصف يوم إضافي يوم السبت. ومع مرور الوقت، أسهمت هذه الأنماط الروتينية في ترسيخ العادات وأخلاقيات العمل التي لازمت محمدًا طوال حياته. ويقول في هذا السياق: "حتى بعد تقاعدي الآن، ما زلت أستيقظ في السادسة صباحًا كل يوم، طوال أيام الأسبوع السبعة".
كما لعبت البيئة المدرسية دورًا مهمًا في تشكيل قيمه؛ إذ يستذكر زملاءه من المسلمين والهندوس والمسيحيين قائلًا: "كان لدينا طلاب من خلفيات وأديان متنوعة للغاية، ولم نكن نرى أنفسنا مختلفين عن بعضنا البعض قط".
ويضيف: "معاملة الآخرين باحترام وأمانة، والتواصل الجيد، وتقدير وقت الناس وخصوصيتهم؛ هي مبادئ رافقتني طوال حياتي".
وقد تعزّزت هذه القيم بفضل المعلمين الذين بذلوا قصارى جهدهم لدعم طلابهم.
يستذكر محمد معلمتَيْه في الصف الأول، "أوما مورثي" و"أوشا مورثي"، اللتين شجعتا الطلاب على التوسّع إلى ما هو أبعد من المناهج الدراسية. وكانت إحداهما تعيرهم كتبًا من مكتبتها الشخصية، ويقول محمد: "كل من كان لديه اهتمام بفعل المزيد مما يُدرَّس في الفصل، كانت تحضر له كتبها الخاصة من المنزل".
وتبقى الشخصية الأكثر حضورًا في ذاكرته هي معلمة الصف التاسع "جيريجا مينون"، التي درّست الرياضيات والفيزياء، وهما المادتان الأحب إلى قلبه. ويقول عنها: "لقد كانت أفضل معلمة حظيت بها على الإطلاق؛ كانت تعاملنا مثل أبنائها".
وعندما كان الطلاب يواجهون صعوبة في استيعاب المفاهيم الجديدة، لم تكن تستسلم أبدًا. ويستذكر محمد كيف كانت تقدّم المساعدة خلال استراحات الغداء، وتبذل "كل ما في وسعها" لضمان فهم الفصل بأكمله للدرس. ويؤكد أنه تعلّم منها ما هو أبعد بكثير من مجرد معادلات.
يستكشف الطلاب العلوم تحت إشراف معلمتهم في مدرسة اليوبيل الماسي الثانوية بحيدر آباد، في مشهد يجسّد الدعم الذي أسهم في تشكيل شغف محمد بالتعلّم.
Aga Khan Schools
درس محمد الهندسة الميكانيكية، وحصل على درجة البكالوريوس من كلية الهندسة بجامعة عثمانية في الهند، ثم نال درجة الماجستير من جامعة أوكلاهوما في الولايات المتحدة الأمريكية.
وانتقل بعد ذلك للعمل في برنامج مكوك الفضاء التابع لوكالة ناسا، حيث عمل محللًا حراريًا دعم أول 30 مهمة فضائية. وبعد عشرة أعوام من القيادة التقنية، انتقل إلى إدارة المشاريع، فعمل على التجارب العلمية، ونشر الأقمار الصناعية، ومشاريع محطة الفضاء الدولية. وهناك، أدّى دورًا حاسمًا في تصميم وتطوير الأنظمة الداعمة لرحلات الفضاء البشرية، بما في ذلك نظام التحكم البيئي ودعم الحياة، ونظام التحكم الحراري النشط؛ وهما نظامان أساسيان للحفاظ على سلامة وصحة روّاد الفضاء.
ويقول محمد: "لقد كان شرفًا لي أن أعمل جنبًا إلى جنب مع أفراد شغوفين، وأن أُسهم في إرث يلهم الأجيال القادمة".
وقد كُلّلت مسيرته بالعديد من الجوائز التقديرية، من بينها جائزة موظف العام من وكالة ناسا، وجائزة "سيلفر سنوبي (Silver Snoopy)"، وجائزة "آر إن إيه إس إيه ستيلر (RNASA Stellar)".
لم يقتصر الدعم في مدرسة اليوبيل الماسي الثانوية بحيدر آباد على الجانب الأكاديمي فحسب؛ ففي الصف السابع، حين واجهت عائلة محمد صعوبات مالية، سمحت لهم المدرسة بتأجيل دفع الرسوم الدراسية. وبعد عقود، اختار محمد ردّ الجميل بالروح نفسها، فأسس مع أشقائه مؤسسة تعليمية تحمل اسم والديهم لتكريم الطلاب المتفوقين بالجوائز.
وظل محمد على صلة وثيقة بالمدرسة؛ إذ كان يعود للتحدث مع الطلاب، والمشاركة في الفعاليات المدرسية، والمساهمة في احتفالات الذكرى الخامسة والسبعين لتأسيسها. وفي عام 2024، حلّ ضيفًا رئيسيًا في احتفالات "يوم الجمهورية"، حيث رفع العلم وتحدّث إلى الطلاب عن تفاصيل رحلته الملهمة.
وعندما يتأمل محمد رحلته، يرى أن تعليمه لم يكن مجرد خطوة أولى نحو مسيرة مهنية ناجحة، بل كان حجر الأساس لحياة كاملة.
ويقول: "التعلّم مهم دائمًا. وسواء كنت في العاشرة أو السبعين من عمرك، ينبغي أن تحاول تعلّم شيء جديد كل يوم".